ابن ميثم البحراني

52

شرح نهج البلاغة

قدّمت المفعول توجّه الإنكار إلى كونه بمثابة أن يوقع به مثل هذا الفعل ولذلك قدّم في قوله تعالى « قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا » وقوله « أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ » وقوله « أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ » . البحث الثالث في التقديم والتأخير في حرف النفي : إذا أدخلته على الفعل كقولك ما ضربت زيدا كنت قد نفيت فعلا لم يثبت أنّه فعل لأنّ نفيك لضرب زيد عن نفسك لا يقتضي وقوع الضرب به ولا نفيه عنه لأنّ نفي الخاصّ لا يدلّ على نفي العامّ ولا على ثبوته ، وإذا أدخلته على الاسم كقولك ما أنا ضربت زيدا فهم من ذلك أنّه وقع به الضرب وكان القصد نفى كونك أنت الضارب ، والشاهد بهذه الفروق هو الذوق السليم . البحث الرابع في التقديم والتأخير في الخبر المثبت والمنفيّ : هو كالتقديم والتأخير في الاستفهام فإنّك إذا قدّمت الاسم فقلت زيد قد فعل اقتضى أن يكون القصد إلى الفاعل إمّا لتخصيص الفعل به كقولك أنا كتبت في معنى هذا الأمر تريد أنّك اختصصت بذلك دون غيرك ، وإمّا لأجل أنّ تقديم ذكر المحدث عنه آكد لإثبات ذلك الفعل له كقولهم فلا يعطي الجزيل فلا يقصد الحصر بل أن يتحقّق عند السامع أنّ إعطاء الجزيل دأبه ، وبيان ذلك أنّك لمّا ذكرت الاسم المحدث عنه والاسم لا يعرى عن العوامل إلَّا لحديث قد نوى إسناده إليه فإذا قلت عبد اللَّه فقد استشعرت بأنّك تريد الحديث عنه فتحصل شوق إلى معرفة ذلك فإذا أفدته ذلك قبله الذهن قبول العاشق لمعشوقه فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة ، وإن قدّمت الفعل اقتضى أن يكون القصد إلى ذكر الفعل كقوله تعالى « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » فإنّ القصد هاهنا إلى ذكر القضاء ونسبته إلى اللَّه تعالى ، ويقرب من ذلك حكم المنفيّ كقولك أنت لا تحسن هذا الفعل ، أو لا تحسن أنت هذا الفعل . البحث الخامس في تقديم حرف السلب على العموم وتأخّره عنه : أمّا الأوّل فإذا قدّمت حرف السلب على صيغة العموم فقلت ما أفعل كلّ كذا كان سلبا للعموم وذلك لا يناقضه الإثبات الخاصّ حتّى لو قلت وأفعل بعضه لم يكن تناقضا أمّا إذا قدّمت صيغة العموم على السلب نقلت كلّ كذا ما أفعله فهم منه عموم السلب وحينئذ يناقضه