ابن ميثم البحراني

مقدّمة 3

شرح نهج البلاغة

فما أبدى أحد ود الصديق إلا ويماينه ، ولا يرى نعمة على حميم إلا وينائته ، وما مضح قوى عن مغلوب إلا ليمصخه ، والناس لا منعي لهم عما يشين ويمين ، أخذت غيوم الجهل والضلال سماء عقولهم لا تنجد ولا تصحو ، نابأهم الخير وهم في الغي والبغي متمادون ، دهر ماصع رزئ أهله بتفشية الفساد وابتلوا بساسة أغبياء لا يهمهم إلا مص دماء الضعفاء فهم والناس بين نحيض ونحيض ، لا واعظ ولا زاجر بل هم والفساد في هياط ومياط ، ليس منهم من يسكن اللوعة ولا من يهدئ الفورة . فرحوا بما أوتوا وغرتهم الحياة الدنيا ونسوا ما ذكروا به أن وعد الله حق وما علموا أن الله أمهلهم ومههم إرهاصا . ولا سمح الله سوف يأخذهم بغت وهم مبلسون . تدقعهم البلاء وتدغمهم العناء وهم يتناخسون وبأنفسم يستدفؤن . ولا دفء ولا علاج . ولو أن الناس حين تنزل عليهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى بارئهم بصدق من نياتهم ودله من قلوبهم لرد الله عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد ، وهذا هو الدواء والشفاء وريع الصلاح وروى الرحمة . كم من مناد باك رب زدني علما فاستجاب له وعلمه من لدنه علما ، وكم من متبتل واك رب هب لي ملكا فأفاض عليه وآتاه ملكا عظيما ، وكم من مسه الضر وقدر عليه ففر إلى الله وأناب فاستجاب له ونجاه رحمة من عنده وذكرى للعابدين ، وكذلك يجزى الله المؤمنين . اللهم نستنجح المواعد ونتضرع إليك أن تنأش الحق وتؤنف أهله ، وتكسر صولة الباطل وتسكت نأمنته . وأحسن دليل وأهدى قائد إلى الحق وسبيله بعد كلام الله وكلام رسوله - ولا أستثني - كلام نحيت كرم ما دل بعطائه ولم ينحط سائل عن بابه ، ونجيد عز نخبت قلوب النجد عن مرأى معاركه ، من بولائه تمت النعمة وكمل الدين ، جامع شمله ومعظم أهله ، أفقه الناس فيه وأعرفهم بحلاله وحرامه ، أقرئهم لكتاب الله وأعظمهم جهادا في سبيله ، من جعل حبه عنوان صحيفة الأبرار وبغضه علامة لأهل النار ، باب العلم وعيبة علم الله . وليد البلاغة الذي بكلامه بقيت لها الدولة والصولة ، وخطيب الحكمة الذي بكلامه زهق