ابن ميثم البحراني

مقدّمة 2

شرح نهج البلاغة

ومن القسم الثاني علم المبدء والمعاد ، والعقيدة بما يوجب القرب إلى الله والبعد عنه ، ومعرفة طرق سعادة الأرواح وشقاوتها . وقد أرسل الله أنوارا ساطعة وسرجا منيرة ودعاة حق إلى سبيله ، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليحكموا بين الناس بالقسط . وجاء الإسلام وختم به الشرائع والإنباء بكتاب وأحكام ، وطلب ممن يتدين به العدل والإحسان ، وأن يقوموا لله مثنى وفرادى ، وألف بين قلوبهم وجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وجعل بعضهم أولياء بعض وخير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وجعل لهم العزة ولله ولرسوله ، وجعل كلمتهم العليا . لا أريد أن أخوض بك إلى أعمق النواحي ، ولكن الباحث إذا وصل إلى القعر والغور يرى أن ليس - قل أو كثر - بيدنا شئ من حقيقة ما جاء به الإسلام ، وربي به أبنائه الأولين ، وغرس في نفوس من نفتخر بهم ونتبجح : وهذا هو الداء والشقاء . وهذا هو ميعة الفساد ومنبثق المأساة . لا تمر على جليسين إلا وتسمع يشكو أحدهما المآسي والآلام من استهتار أهل العصر ، وشيوع الخلاعة بينهم ، واندناحهم عند المطامع ، وموت الشعور فيهم . قبال ما كان عليه السلف من الشجاعة والشرف ، والعزة والكرامة ، وصلابة العود وقوة العقيدة . نعم إن جيوش الشهوات استلبت ثروة العقول والعقائد . فانطمست فضائل الأخلاق واندرست محامد الآداب ، أُخذت أعالي الصفات وأهملت أما جد الخصال . وذهب الخير الساري ذهاب الأمس الدابر ، أُبدل هناء العيش والحياة من الصدق والصفاء بالشرور والشقاء ، لا تخص بذلك بلدة دون أخرى بل لا تجد قرية ولا قطرا إلا ونشب البلاء والعناء مخالبها فيها ، وأخذت الفتن والمحن وافر حظها منها ، غرست بذور الرذائل وقلعت أصول العدل وجذور الفضائل ، بلغ سوء الحال وتردى الوضع وسرعة الاستجابة إلى الشهوات العارمة إلى أبعد الحدود ، وأمهى ، لا يقنع المقل ولا يبذل المكثر يطلب ذلك بآخرته أرخص بهاء وأبخس ثمن ويرى العيش والترف الغاية والشرف ، ويبذل ذاك على أخس شيء آخرته التي هي أغلى وأقيم ويرى الفقر والقلة الشقاء والذلة ، انبثق سيل ناجخ الخنى