ابن ميثم البحراني

20

شرح نهج البلاغة

للغلط والشبهة ، وأمّا الإفادة الأخرى فلأجل أنّ حاصلها يعود إلى انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يلازمه ، ثمّ إنّ اللوازم كثيرة وهى تارة تكون قريبة وتارة تكون بعيدة فلا جرم صحّ تأدية المعنى الواحد بطرق كثيرة وصحّ في تلك الطرق أن يكون بعضها أكمل في إفادة ذلك المعنى وبعضها أنقص . فهذا ما يتعلَّق بالفصاحة من جهة المفردات وأقول : إنّ التحقيق يقتضي أنّ الزيادة والنقصان ممّا يتطرّقان إلى الإفادة الوضعيّة أيضا فإنّ الإمام سلَّم أنّ بعض الحروف أفصح جرسا وألذّ سماعا كالعين ، وبعضها أسهل على اللسان كحروف الذلاقة وبعضها أثقل ، ولا شكّ أنّ الكلام المركَّب عن أسهل الحروف وألذّها سماعا أفصح وألذّ سماعا عند النفس ممّا لا يكون كذلك ، وسلَّم أيضا أنّ الأفصح أدلّ على المعنى وأسرع إلى قبول النفس له ممّا لا يكون كذلك وليس سبق العلم بالوضع قادحا فيما ذكرناه لأنّ الإنسان قد يسبق علمه بوضع اللفظ ثمّ يذهل عنه فعند سماعه يجد نفسه مسارعة إلى قبول المعنى من الأفصح دون غيره وملتذّة بسماعه بسبب فصاحته ولا معنى لزيادة الإفادة ورجحانها إلَّا ما يحصل للنفس من اللذّة بالمعنى والمسارعة إلى قبوله بتمامه من اللفظ الأسهل . واللَّه أعلم . وأمّا البلاغة العائدة إلى النظم والتركيب فتحقيق القول فيها أنّ الكلام المنظوم لا محالة مركَّب من المفردات ، والمفردات يمكن تركيبها على وجه لا يفيد المقصود ، وقد يمكن تركيبها على وجه يفيده ثمّ للتركيب المفيد مراتب كثيرة ولها طرفان ووسط فالطرف الأعلى هو أن يقع ذلك التركيب على وجه يمتنع أن يوجد ما هو أشدّ تناسبا واعتدالا منه في إفادة ذلك المعنى والطرف الأدنى هو أن يقع على وجه لو صار أقلّ تناسبا منه لخرج عن كونه مفيدا لذلك المعنى وبين هذين الطرفين مراتب واختيار أحسنها يقتضي الفصاحة في النظم وهذا معنى قول عبد القاهر الجرجاني - رحمه اللَّه - النظم عبارة عن توخّي معاني النحو فيما بين الكلم . إذا ثبت هذا فنقول : أمّا الطرف الأدنى فليس من البلاغة في شيء وأمّا ساير المراتب فإنّ كلّ واحد منها إذا اعتبرته بالنسبة إلى ما تحته يكون مستلزما للبلاغة والفصاحة ، وأمّا الطرف الأعلى وما يليه فهو المعجز فهذا هو التحقيق في البلاغة والفصاحة في المفردات والمركَّبات الجملة الأولى في المفردات وفيها مقدّمة وأبواب .