ابن ميثم البحراني

6

شرح نهج البلاغة

الألفاظ فلا يمكن مع ذلك دعوى حصولهما عن مجرّد العقل ، وإن أرادوا بذلك أنّ الذهن عند تصوّر المعنى من لفظه ينتقل منه إلى جزئه أو إلى لازمه فهو حقّ وحينئذ تكون هاتان الدلالتان بشركة من الوضع والعقل ثمّ إنّهما مستلزمتان للدلالة الوضعيّة من غير عكس لجواز خلوّ المهيّة عن التركيب وعن اللازم البيّن ولا يجب أيضا أن تلزم إحداهما الأخرى وهو ظاهر ممّا مرّ . البحث الثالث ظهر ممّا ذكرنا أنّه يعتبر في الدلالة التضمنية كون المعنى المدلول عليه بالمطابقة مركَّبا وأمّا في الإلتزاميّة فالمعتبر فيه كونه ملزوما في الذهن لأمر بيّن الثبوت له إذ لولا اللزوم الذهني لم يفد إطلاق اللفظ في المعنى الخارج عن المهية لعدم الوضع بإزائه وعدم انتقال الذهن عن موضوعه إليه فلم يكن دالَّا عليه إذ المراد بدلالة اللفظ على المعنى فهمه عند إطلاقه بالنسبة إلى من يعلم الوضع ولا يعتبر اللزوم الخارجيّ لجواز دلالة اللفظ على ما يلزم مسمّاه في الخارج إذا لزم من تصوّره تصوّر مسمّاه كدلالة لفظ عدم الملكة عليها كلفظ العمى على البصر ثم اللزوم الذهني ليس موجبا لانتقال الذهن من الملزوم إلى لازمه إذ ليس هو تمام ما يتوقّف عليه دلالة الإلتزاميّة بل لا بدّ من تصوّر الملزوم أوّلا وذلك متوقّف على وضع اللفظ بإزائه والعلم بالوضع وسماع اللفظ أو حضوره بالبال فهو إذن أحد الشروط المعدّة لتصوّر اللازم . البحث الرابع دلالة الحقيقيّة هي الدلالة الوضعيّة الصرفة وأمّا الباقيتان فليستا بحقيقيّتين وهو ظاهر ولا مجازيتين أيضا لأنّ من شرط المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له استعمالا مقصودا بالذات ، وهاتان الدلالتان قد يحصلان من استعمال اللفظ في مسمّاه حصولا عرضيّا لأنّ الذهن قد ينتقل عند إطلاق اللفظ لإرادة مسمّاه إلى جزئه أو إلى لازمه إنتقالا عرضيّا وكذلك إلى جزء جزئه وإلى لازم لازمه في مراتب كثيرة ، ومعلوم أنّ اللفظ أطلق لإرادة مسمّاه واستعمل فيه بالذات لا فيما انتقل الذهن إليه من الأجزاء واللوازم وإن كانت له سببيّة في ذلك الانتقال فلم تكن الدلالة بواسطة اللفظ محصورة في الحقيقيّة والمجازيّة نعم استعمال اللفظ الموضوع وإطلاقه بالذات لإرادة المعنى لا يخلو من أن يكون حقيقيّا أو مجازيّا .