ابن ميثم البحراني

105

شرح نهج البلاغة

الشجاعة أصل منها ولأنّ المانع من الإقدام على الأهوال والمكاره إنّما هو خوف الموت وحبّ البقاء ، والعارف بمعزل عن تقيّة الموت إذ كانت محبّة اللَّه تعالى شاغلة عن الالتفات إلى كلّ شيء بل ربّما يكون الموت مشتهى له لكونه وسيلة إلى لقاء محبوبه الأعظم وغايته القصوى ، وقد بيّنا ذلك في تفصيل أخلاق العارفين من كتاب مصباح العرفان ، وأمّا الأبدال فقد نقل أنّهم سبعون رجلا منهم أربعون بالشام ، والثلاثون في سائر البلاد ، وفي الحديث عن عليّ عليه السّلام الأبدال بالشام ، والنجباء بمصر ، والعصائب بالعراق يجتمعون فيكون بينهم حرب : العاشر قوله : وقد استخرج عجبهم أي تعجّبهم منها من القوّة إلى الفعل ، ومن روى عجبهم بضم العين فالمراد أنّي اذاكرهم بهذه الفضيلة لتظهر محبّتهم لها وميلهم إليها قال أبو الحسن الكيدري : واستخرج عجبهم أي أعرفهم أنّهم عاجزون عن أمثالها فلا يبقي لهم حينئذ عجب بأنفسهم منها أي من أجل معرفتها ، والظاهر أنّ هذا اللفظ لا يعطي هذا المعنى ، الحادي عشر قوله : والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه عليه السّلام تختلف اختلافا شديدا . أقول : سبب الاختلاف يحتمل الوجهين . أحدهما أنّه عليه السّلام ربّما تكلَّم بالمعنى الواحد مرّتين أو أكثر بألفاظ مختلفة كما هو شأن البلغاء وأهل الفصاحة فينقله السامعون باللفظ الأوّل والثاني فيختلف الرواية ، الثاني أنّ الناس في الصدر الأوّل كانوا يتلقّون الكلام من أفواه الخطباء ويحفظونها على الولاء فربّما لا يتمكَّن السامع من حفظ كلّ لفظ ومراعاة ترتيبه فيقع بسبب ذلك اختلاف في الترتيب أو نقصان في الرواية ، وربّما راعى بعضهم حفظ المعني من دون ضبط الألفاظ فأورد في اللفظ زيادة ونقصانا ، الثاني - عشر قوله : نهج البلاغة استعارة لطيفة لهذا الكتاب لانّ النهج حقيقة في الطريق الواضحة المحسوسة ، ووجه المشابهة أنّ الطريق لمّا كانت محلّ الانتقال بالمشي وقطع الأحياز المحسوسة من واحد إلى آخر كذلك الذهن ينتقل في هذا الكتاب من بعض لطائف البلاغة وشعب الفصاحة إلى بعض انتقالا سهلا فلذلك صحّ نقل لفظ النهج إليه واستعارته له ، وباللَّه التوفيق . فهذا بيان ما عساه يشكل في هذه الخطبة وباقي كلامه ظاهر ولنشرع في شرح كلام عليّ عليه السّلام .