ابن ميثم البحراني

91

شرح نهج البلاغة

إلَّا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطَّ الرقاب ، ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف دما ، ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد ، وبدل الأبدال ، وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة الَّتي جمع بها بين الأضداد ، وألَّف بين الأشتات وكثيرا ما أذاكر الأخوان بها ، وأستخرج عجبهم منها ، وهى موضع للعبرة بها ، والفكرة فيها ، وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردّد ، والمعنى المكرّر ، والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه عليه السّلام تختلف اختلافا شديدا فربّما اتّفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثمّ وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير موضعه الأوّل إمّا بزيادة مختارة أو لفظ أحسن عبارة ، فتقضي الحال أن يعاد استظهار اللاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام ، وربّما بعد العهد أيضا بما اختير أوّلا فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا واعتمادا ، ولا أدّعي مع ذلك أنّي أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السّلام حتّى لا يشذّ عني منه شاذّ ولا يندّ نادّ بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إليّ ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي ، وما عليّ إلَّا بذل الجهد ، وبلاغ الوسع ، وعلى اللَّه سبحانه نهج السبيل ، ورشاد الدليل إنشاء اللَّه . ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرّب عليه طلَّابها ، وفيه حاجة العالم والمتعلَّم ، وبغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل ، وتنزيه اللَّه سبحانه عن شبه الخلق ما هو بلال كلّ غلَّة ، وشفاء كلّ علَّة ، وجلاء كلّ شبهة ، ومن اللَّه سبحانه أستمدّ التوفيق والعصمة ، وأنتجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، ومن زلَّة الكلم قبل زلَّة القدم ، وهو حسبي ونعم الوكيل . أقول : أمّا حرف يبتدء به الكلام المقسّم إلى قسمين أو أكثر وتصدر به الجمل فتخصّص معه كلّ واحدة بحكم ليس للأخرى ، فقوله أمّا بعد حمد اللَّه هو الجزء الثاني من الكلام ، وتقدير الكلام مع الجزء الأوّل أمّا قبل الشروع في المطلوب فالحمد للَّه ، وأمّا بعد حمد اللَّه فإنّي كنت في عنفوان السن ، وإنّما حذف الجزء الأوّل اختصار الكلام وإيجاز له ثمّ استمرّ ذلك الحذف ، وحسن استعماله في الكلمات الخطابيّة وغيرها حتّى صار إظهار المحذوف هاهنا مستهجنا بقدر ما يستحسن الحذف ، وقال سيبويه . إنّه مع الجملة الَّتي يدخل