ابن ميثم البحراني

90

شرح نهج البلاغة

وآداب علما أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربيّة ، وثواقب الكلم الدينيّة ، والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب إذ كان أمير المؤمنين عليه السّلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السّلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب ، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وتقدّم وتأخّروا ، لأنّ كلامه عليه السّلام الكلام الَّذي عليه مسحقة من العلم الإلهيّ ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ ، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع ، ومنشور الذكر ، ومذخور الأجر ، واعتمدت به أن أبين عن عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه الفضيلة مضافة إلى المحاسن الدثرة ، والفضائل الجمة ، وأنّه عليه السّلام انفرد ببلوغ غايتها من جميع السلف الأوّلين الَّذين إنّما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، والشاذ الشارد فأمّا كلامه عليه السّلام فهو البحر الَّذي لا يساجل ، والجمّ الَّذي لا يحافل ، وأردت أن يسوغ لي التمثيل في الافتخار به عليه السّلام بقول الفرزدق : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع ورأيت كلامه عليه السّلام يدور على أقطاب ثلاثة أوّلها الخطب ، والأوامر ، وثانيها الكتب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ ، فأجمعت بتوفيق اللَّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والأدب مفردا لكل صنف من ذلك بابا ، ومفصّلا فيه أوراقا لتكون لاستدراك ما عساه يشذ عنّي عاجلا ويقع إلىّ آجلا ، وإذا جاء شيء من كلامه الخارج في أثناء حوار أو جواب كتاب ( سؤال ن خ ) أو غرض آخر من الأغراض في غير الأنحاء الَّتي ذكرتها ، وقرّرت القاعدة عليها نسبته إلى أليق الأبواب به ، وأشدّها ملامحة لغرضه ، وربّما جاء فيما اختاره من ذلك فصول غير متّسقة ، ومحاسن كلم غير منتظمة ، لأنّي أورد النكت واللمع ، ولا أقصد التتالي والنسق ، ومن عجائبه عليه السّلام الَّتي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر إذا تأمّله المتأمّل ، وفكَّر فيه المتفكَّر ، وخلع من قبله أنّه كلام مثله ممّن عظم قدره ، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه لم يعترضه الشكّ في أنّه من كلام من لا حظَّ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة قد قبع في كسر بيت ، أو انقطع إلى سفح جبل لا يسمع إلَّا حسّه ولا يرى