ابن ميثم البحراني
85
شرح نهج البلاغة
الكلم وهو الحقّ سبحانه وتعالى ، وأمّا الأمور الَّتي عدّدها اللَّه سبحانه فهي من الأمور الغيبيّة ، وقوله لا يعلمها أحد إلَّا اللَّه كقوله تعالى « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » ( 1 ) وهو محتمل للتخصيص كما في قوله « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » وهذا الأمر واضح لا يحتاج العاقل في استشكافه إلى كلفة ، وسيجئ في أثناء الشرح ما يزيد ذلك وضوحا إنشاء اللَّه تعالى . البحث الثاني في بيان صدور الأفعال الخارقة للعادة عنه والنظر إمّا في إمكان ذلك أو في سببه أو في نفس وقوعه منه . المقام الأوّل في إمكانه وأسبابه : واجب على من أهّله اللَّه سبحانه لاستشراق أنواره إذا سمع أنّ وليّا من الأولياء أتى بفعل ليس في وسع غيره من أبناء نوعه الإتيان بمثله كالإمساك عن الطعام المدّة المديدة الَّتي ليست في وسع أبناء نوعه ، وكالتحريك على الحركة الخارجة عن وسع مثله كما يشاهد من طوفانات تقع باستدعائهم وزلازل واستنزال عقوبات ، وخسف قوم حقّ عليهم القول ، واستشفاء المرضى ، واستسقاء العطشي ، وخضوع عجم الحيوانات وغيرها أن لا يبادر إلى التكذيب فإنّه عند الاعتبار يجد تلك الأمور ممكنة في الطبيعة . أمّا الإمساك عن القوت فتأمّل إمكانه فينابل وجوده عند عروض عوارض غريبة لنا إمّا بدنيّة كالأمراض الحادّة ، وإمّا نفسانيّة كالخوف والغمّ ، وسبب الإمساك في حال المرض أمّا في الأمراض البدنيّة فإنّ القوى الطبيعيّة تشتغل بهضهم الموادّ الرديئة عن تحريك الموادّ المحمودة فتجد الموادّ المحمودة حينئذ محفوظة قليلة التحلَّل غنيّة عن طلب البدل لما يتحلَّل ، فربّما انقطع الغذاء عن صاحبها مدّة لو انقطع مثله عنه في غير حالته تلك عشر تلك المدّة هلك وهو مع ذلك محفوظه الحياة ، وأمّا النفسانيّة فإنّه قد يعرض بعروض الخوف للخائف سقوط الشهوة وفساد الهضم والعجز عن الأفعال الطبيعيّة الَّتي كان متمكَّنا منها قبل الخوف لوقوف القوى الطبيعيّة عن أفعالها بسبب اشتغال النفس بما أهمّها عن الالتفات إلى تدبير البدن ، وإذا عرفت إمكان ذلك بسبب العوارض الغريبة فاعلم أنّ سبب تحقّقه في حقّ العارف هو توجّه نفسه بالكلَّيّة إلى عالم القدس المستلزم
--> ( 1 ) 6 - 59