الشيخ محمد حسن المظفر
22
الإمام الصادق ( ع )
ولا تفرحوا بما آتاكم " ( 2 ) ثمّ قال : إن أعلم الناس أخوفهم للّه ، وأخوفهم له أعلمهم به ، وأعلمهم به أزهدهم فيها ( 3 ) . أقول : إِن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر إلى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش والخشونة في الملبس ، وإِن كانتا من آثاره أحياناً ، وإِنّما هو أعلى وأرفع من ذلك . إِن المرء إذا كان مُعرِضاً عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات ، ولا يفرح بما هو آت ، ولو كان مقبلاً عليها لأحزنه الفائت وأسرَّه الآتي ، فأحسن كاشف عن حقيقة الزُهد في الدنيا هذا الحزن والفرح . ولو كان الزُهد الصفح عن نعيم هذا الوجود وما فيه من ملذّات كما تصنع المتصوَّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منَّه على العباد ، أفهل يا ترى يمنّ عليهم بشيء وهو الجواد ويكره أن ينالوا منه البلغة ، فلمن إِذن خلَق تلك الطيّبات من الرزق " قُل مَن حرَّم زينة اللّه التي أَخرَج لِعبادِه والطيّباتِ مِن الرّزق " ( 1 ) . ويكشف لنا عن جليّة الحال بقوله عليه السلام : " فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا كفّارها " وقد قال ذلك عندما رأوه وعليه ثياب بيض وعابوا عليه تلك البزَّة وحسبوها من الرغبة في الدنيا ، وكان شعار آبائه الزهد . نعم إِنَّما يُراد من العبد ألا يكون شغله الطيّبات وهمّه هذه الحياة ، بل أن يكون شغله ما هو أرفع ، وهمّه فيما هو أبقى وأنفع . إِن اللّه سبحانه قد فرض فرائض ، وحدّد حدوداً لم يسأل العباد عمّا وراءها ،
--> ( 2 ) الحديد : 23 . ( 3 ) بحار الأنوار : 78 / 193 / 7 . ( 1 ) الأعراف : 30 .