الآلوسي
68
تفسير الآلوسي
ابن الأشرف ، وإطلاقه عليه حقيقة بناءاً على أنه بمعنى كثير الطغيان ، أو أنه علم لقب له - كالفاروق - لعمر رضي الله تعالى عنه ، ولعله في مقابلة الطاغوت ، وفي معناه كل من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله ، ويحتمل أن يكون الطاغوت بمعنى الشيطان ، وإطلاقه على الأخس بن الأشرف إما استعارة أو حقيقة ، والتجوز في إسناد التحاكم إليه بالنسبة الإيقاعية بين الفعل ومفعوله بالواسطة ، وقيل : إن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه فنقله عن الشيطان إليه على سبيل المجاز المرسل ، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أيضاً قال : كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية . وأخرج ابن جرير عن السدي كان أناس من يهود قريظة والنضير قد أسلموا ونافق بعضهم ، وكانت بينهم خصومة في قتيل فأبى المنافقون منهم إلا التحاكم إلى أبي برزة فانطلقوا إليه فسألوه فقال : أعظموا اللقمة ، فقالوا : لك عشرة أوساق فقال : لا بل مائة وسق ، فأبوا أن يعطوه فوق العشرة ، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون وعلى هذا ففي الآية من الإشارة إلى تفظيع التحاكم نفسه ما لا يخفى ، وهو أيضاً أنسب بوصف المنافقين بادعاء الإيمان بالتوراة ، ويمكن حمل خبر الطبراني عليه بحمل المسلمين فيه على المنافقين ممن أسلم من قريظة والنضير . * ( وَقَدْ أُمرُواْ أَن يكْفُرُواْ به ) * في موضع الحال من ضمير * ( يريدون ) * وفيه تأكيد للتعجيب كالوصف السابق ، والضمير المجرور راجع إلى الطاغوت وهو ظاهر على تقدير أن يراد منه الشيطان وإلا فهو عائد إليه باعتبار الوصف لا الذات ، أي أمروا أن يكفروا بمن هو كثير الطغيان أو شبيه بالشيطان ، وقيل الضمير للتحاكم المفهوم من * ( يتحاكموا ) * وفيه بعد ، وقرأ عباس بن المفضل بها ، وقرئ بهن ، والضمير أيضاً للطاغوت لأنه يكون للواحد والجمع ، وإذا أريد الثاني أنث باعتبار معنى الجماعة وقد تقدم * ( وَيُريدُ الشَّيْطَانُ أن يُضلَّهُمْ ضَلَالاً بَعيداً ) * عطف على الجملة الحالية داخلة في حكم التعجيب ، وفيها على بعض الاحتمالات وضع المظهر موضع المضمر على معنى : يريدون أن يتحاكموا إلى الشيطان وهو بصدد إرادة إضلالهم ولا يريدون أن يتحاكموا إليك وأنت بصدد إرادة هدايتهم ، و * ( ضلالاً ) * إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد على حد ما قيل في * ( أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ( نوح : 17 ) وإما مؤكد لفعله المدلول عليه بالمذكور أي ( فيضلون ضلالاً ) ، ووصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة . . * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ) * . * ( وَإذَا قيلَ لَهُمْ ) * أي لأولئك الزاعمين * ( تَعَالَوْاْ إلَى ما أَنزَلَ اللَّهُ ) * في القرآن من الأحكام * ( وَإلَى الرَّسُول ) * المبعوث للحكم بذلك * ( رَأَيْتَ ) * أي أبصرت أو علمت * ( الْمُنَافقينَ ) * وهم الزاعمون ، والإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والإشعار بعلة الحكم أي رأيتهم لنفاقهم * ( يَصُدُّونَ ) * أي يعرضون * ( عَنكَ صُدُوداً ) * أي إعراضاً أيُّ إعراض فهو مصدر مؤكد لفعله وتنوينه للتفخيم ، وقيل : هو اسم للمصدر الذي هو الصد وعزي إلى الخليل ، والأظهر أنه مصدر لصد اللازم ، والصد مصدر للمتعدي ، ودعوى - أن يصدون هنا متعد حذف مفعوله أي يصدون المتحاكمين أي يمنعونهم - مما لا حاجة إليه ، وهذه الجملة تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت ، وقرأ الحسن * ( تعالوا ) * بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطاً كما قالوا : ما باليت به بالة وأصلها بالية كعافية ، وكما قال الكسائي في آية : إن أصلها أيية كفاعلة فصارت اللام كاللام فضمت للواو ، ومن ذلك قول أهل مكة : تعالى بكسر اللام للمرأة ، وهي لغة مسموعة أثبتها ابن جني فلا عبرة بمن لحن ( كابن هشام ) الحمداني