الآلوسي

69

تفسير الآلوسي

فيها حيث يقول : أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ( تعالى أقاسمك الهموم تعالى ) ولا حاجة إلى القول بأن - تعالى - الأولى : مفتوحة اللام ، والثانية : مكسورتها للقافية كما لا يخفى ، وأصل معنى هذا الفعل طلب الإقبال إلى مكان عال ثم عمم . . * ( فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ باللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ) * . * ( فَكَيْفَ ) * يكون حالهم * ( إذَا أَصَابَتْهُم ) * نالتهم * ( مصيبَةٌ ) * نكبة تظهر نفاقهم * ( بمَا قَدَّمَتْ أيديهمْ ) * أي بسبب ما عملوا من الجنايات كالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك * ( ثَمَ جاءُوكَ ) * للاعتذار وهو عطف على * ( أصابتهم ) * والمراد تهويل ما ( دهاهم ) ، وقيل : على * ( يصدون ) * ( النساء : 61 ) وما بينهما اعتراض * ( يَحْلفُونَ ) * حال من فاعل * ( جاءوك ) * أي حالفين لك * ( باللَّهَ إنْ أَرَدْنَا ) * أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك * ( إلاَّ إحْسَاناً ) * إلى الخصوم * ( وَتَوْفيقاً ) * بينهم ولم نرد بالمرافعة إلى غيرك عدم الرضا بحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا ، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم ، ويعتذرون ولا يغني عنهم الاعتذار ، وقيل : جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا : إن أردنا بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه - فإذا - على هذا لمرجد الظرفية دون الاستقبال . وقيل : المعنّي بالآية عبد الله بن أبيّ والمصيبة ما أصابه وأصحابه من الذل برجوعهم من غزوة بني المصطلق - وهي غزوة مريسيع - حين نزلت سورة المنافقين فاضطروا إلى الخشوع والاعتذار على ما سيذكر في محله إن شاء الله تعالى . وقالوا : ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين في تلك الغزوة إلا الخير ، أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه ليتقي به النار . * ( أُولَائِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىأَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) * . * ( أُوْلَئكَ ) * أي المنافقون المذكورون * ( الَّذينَ يَعْلَم اللَّهُ ما في قُلُوبهمْ ) * من فنون الشرور المنافية لما أظهروا لك من ( بنات غير وجاءوا به من أذني عناق ) * ( فَأَعْرض ) * حيث كانت حالهم كذلك * ( عَنْهُمْ ) * أي قبول عذرهم ، ويلزم ذلك الإعراض عن طلبهم دم القتيل لأنه هدر ، وقيل : عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم ، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم الخبيثة حتى يبقوا على نيران الوجل * ( وَعظْهُمْ ) * بلسانك وكفهم عن النفاق * ( وَقُل لَهُمْ في أَنفُسهمْ ) * أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد لأنه أدعى إلى قبول النصيحة ، ولذا قيل : النصح بين الملأ تقريع ، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها * ( قَوْلاً بَليغاً ) * مؤثراً واصلا إلى كنه المراد مطابقاً لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق بالأمر . وقيل : متعلق ب * ( بليغا ) * وهو ظاهر على مذهب الكوفيين ، والبصريون لا يجيزون ذلك لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله ، وقيل : إنه إنما يصح إذا كان ظرفاً وقواه البعض ، وقيل : إنه متعلق بمحذوف يفسره المذكور - وفيه بعد - والمعنى على تقدير التعلق : قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها يغتمون به اغتماماً ، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال ، والإيذان بأن ما انطوت عليه قلوبهم الخبيثة من الشر والنفاق بمرأى من الله تعالى ومسمع - غير خاف عليه سبحانه - وإن ذلك مستوجب ( لما تشيب منه النواصي ، وإنما هذه المكافة ) والتأخير لإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر ، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق ( لتسامرنهم السمر والبيض ، وليضيقن عليهم رحب الفلا بالبلاء العريض ) ، واستدل بالآية الأولى على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد