الآلوسي

67

تفسير الآلوسي

لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه ، وليس القياس شيئاً وراء ذلك ، وقد علم من قوله سبحانه : * ( فإن تنازعتم ) * أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع . * ( إن كُنتُمْ تُؤْمنُونَ باللَّه والْيَوْم الآخر ) * متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن المخالفة ، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه ، والكلام على حد - إن كنت ابني فأطعني - فإن الإيمان بالله تعالى يوجب امتثال أمره ، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على المخالفة * ( ذالكَ ) * أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل - كما قيل - على جميع ما سبق على التفريع لحسن . وقال الطبرسي : " إنه إشارة إلى ما تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام * ( خَيْرٌ ) * لكم وأصلح * ( وَأَحْسَنُ ) * أي أحمد في نفسه * ( تَأْويلاً ) * أي عاقبة ، قاله قتادة والسدي وابن زيد " ، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له ، ووجه تقديم الأول على الثاني أن الأغلب تعلق أنظار الناس بما ينفعهم ، وقيل : المراد : خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة " ، ووجه التقديم عليه أظهر . " وعن الزجاج أن المراد : أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل والعاقبة ، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه ، وكلاهما حقيقة ، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير . . * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً ) * . * ( ألَمْ تَرَ ) * خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعجيب له عليه الصلاة والسلام أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك . * ( إلَى الَّذينَ يَزْعُمُونَ ) * من الزعم وهو كما في " القاموس " " مثلث القول : الحق والباطل والكذب ضد ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه " ومن هنا قيل : إنه قول بلا دليل ، وقد كثر استعماله بمعنى القول الحق ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " زعم جبريل " وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه " زعم رسولك " وقد أكثر سيبويه في الكتاب من قوله : زعم الخليل كذا - في أشياء يرتضيها - وفي " شرح مسلم للنووي " أن زعم في كل هذا بمعنى القول ، والمراد به هنا مجرد الادعاء أي يدعون . * ( أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بمَا أُنزلَ إليْكَ ) * أي القرآن . * ( وَمَا أنزلَ ) * إلى موسى عليه السلام * ( من قَبْلكَ ) * وهو التوراة ، ووصفوا بهذا الادعاء لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح ، وقرئ * ( أنزل و * ( أنزل ) * بالبناء للفاعل . * ( يُريدُونَ أن يَتَحَاكَمُواْ إلَى الطَّاغُوت ) * بيان لمحل التعجيب على قياس نظائره ؛ أخرج الثعلبي وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " أن رجلاً من المنافقين يقال له بشر : خاصم يهودياً فدعاه اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال : تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب ، فقال اليهودي لعمر رضي الله تعالى عنه : قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه ، فقال للمنافق أكذلك ؟ قال : نعم ، فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت " ، وفي بعض الروايات " وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق رضي الله تعالى عنه " ، والطاغوت على هذا كعب