ابن تيمية

11

الإيمان

وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا ؛ دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث الشعب : « الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » . وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان . ثم إن نفي " الإيمان " عند عدمها ؛ دل على أنها واجبة وإن ذكر فضل إيمان صاحبها - ولم ينف إيمانه - دل على أنها مستحبة ؛ فإن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر الله به ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله : « لا صلاة إلا بأم القرآن » . وقوله : « لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له » ونحو ذلك فأما إذا كان الفعل مستحبا في " العبادة " لم ينفها لانتفاء المستحب فإن هذا لو جاز ؛ لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج ؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر . فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه ؛ لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين ، وهذا لا يقوله عاقل . فمن قال : إن المنفي هو الكمال فإن أراد أنه نفي " الكمال الواجب " الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ؛ فقد صدق . وإن أراد أنه نفي " الكمال المستحب " فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ولا