محمد بن يزيد المبرد
31
الفاضل
امرأته فقال : هبى لي عنزك حتى أقضى بها ذمام هذا الرجل ، فقد توسمت فيه الخير ، فإن يكن من مضر فهو من بنى عبد المطلب ، وإن يكن من اليمن فهو من بنى آكل المرار . قالت : وقد عرفت حال صبيتىّ هاتين وأن معيشتهما منهما وهما توءمتان ، وأنا أتخوّف عليهما الموت ، قال : موتهما خير من اللؤم ، فقبض على رجل الشاة فاجترّها إلى المذبح ، وأخذ الشّفرة بيمينه ثم قال : قرينتى لا توقظى ابنتيه إن توقظا تنتحبا عليّه وتنزعا الشّفرة من يديّه أبغض « 1 » بهذا وبذا لديّه ثم شحطها « 2 » وكشف « 3 » عن جلدها ، وقطعها أرباعا فقذفها في القدر ، وصبّ عليها ماء وحفن عليها من الملح ، وجعل يحشّ تحتها حتى بلغت إناها ، ثم ثرد في جفنة فعشّاهم ، ثم غدّاهم ، فأقام عنده يومين وليلتين ، ثم أراد الرحيل فقال لغلامه : ارم إلى الشيخ بما أخرجت من النفقة ، فقال : سبحان اللَّه ! إنما ذبح لك شاة فكافئه بمثلها خمس مرات ، وهو بعد لا يعرفك « 4 » . فقال : ويحك ! إن هذا لم يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجاد بها ، وإن يكن لا يعرفني فأنا أعرف نفسي ، ارم بها إليه ، فقال : إنها أكثر من ذلك ، قال : وإن كثرت . فرمى بها إليه - وكانت خمسمائة دينار - ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حاجته وأكرمه ، وأقبل راجعا إلى المدينة حتى قرب من الشيخ ، فقال لغلامه ، يا مقسم ، مل بنا إليه ننظر إليه كيف حاله ، فإذا فناء رجل سرىّ ، وإذا نار ورماد ودخان عال وإبل كثيرة وغنم ، ففرح بذلك ، فقال له : أتعرفني ؟ قال : لا واللَّه فمن أنت ؟ قال : أنا أبو منزلك ليلة كذا ، قال : وإنك لهو ! فجعل يقبّل رأسه ثم قال : جعلني اللَّه فداءك ! قد قلت أبياتا فاسمعها منى ، فقال :
--> « 1 » الأصل : « بها إن يرى » . « 2 » « ذبحها » في الأصل . « 3 » كذا ، والأولى : « كشط » ، وهو كذلك وللَّه الحمد عند العيني . « 4 » مثل هذا المقال في خبر آخر ليزيد بن المهلب في الكامل .