محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
202
سبل السلام
الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة ، وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للأمور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها . 35 - ( وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم ) معاوية بن حيدة رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله ( ص ) : ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ثم ويل له أخرجه الثلاثة وإسناده قوي ) . وحسنه الترمذي وأخرجه البيهقي . والويل الهلاك ، ورفعه على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور ، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه من باب : سلام عليكم . وفي معناه الأحاديث الواردة في تحريم الكذب على الاطلاق ، مثل حديث إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ( وإن ) الفجور يهدي إلى النار سيأتي ، وأخرج ابن حبان في صحيحه إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار ومثله عند الطبراني وأخرج أحمد من حديث ابن لهيعة ما عمل أهل النار ؟ قال : الكذب . فإن العبد إذا كذب فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار وأخرج البخاري أنه قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل ، ومن جملته قوله رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي : الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق في حديث رؤياه صلى الله عليه وسلم والأحاديث في الباب كثيرة . والحديث دليل على تحريم الكذب لاضحاك القوم ، وهذا تحريم خاص . ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا ، لأنه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف . وقد عد الكذب من الكبائر ، قال الروياني من الشافعية : إنه كبيرة ومن كذب قصدا ردت شهادته ، وإن لم يضر بالغير ، لان الكذب حرام بكل حال ، وقال المهدي : إنه ليس بكبيرة ، ولا يتم له نفي كبره على العموم ، فإن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أو الاضرار بمسلم أو معاهد كبيرة . وقسم الغزالي الكذب في الاحياء إلى واجب ومباح ومحرم وقال : إن كل مقصد محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام ، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود ، وواجب إن وجب تحصيل ذلك وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه ، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الانكار والحلف ، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح ، وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب ، ويقول : ما فعلت . ثم قال : وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق ، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب ، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب ، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب ، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق الغير . والحزم تركه حيث أبيح . واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقا في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في الصحيح قال ابن شهاب : لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب ، والاصلاح بين الناس