السيد جعفر مرتضى العاملي
321
الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
يأتوا مؤتة ، فغشيتهم ضبابة ، فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة . ونقول : أولاً : لم يظهر لنا أي سبب يدعو إلى نهي النبي « صلى الله عليه وآله » لهم عن أن يأتوا مؤتة . والحال أن المقصود هو - كما يزعمون - : مواجهة الذين قتلوا الحارث بن عمير وكانوا في مؤتة . . بل قد صرحت الروايات المتقدمة : بأن النبي « صلى الله عليه وآله » أمرهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ، وأن يدعوا من هناك إلى الاسلام . . ثانياً : إن الذي تغشاه الضبابة حتى لا يبصر ؛ لا يواصل المشي بصورة عشوائية ، ولا يرضى لنفسه بأن يبقى تائهاً في الصحراء لا يدري أين تنتهي به قدماه . . خصوصاً ، وأن السير في تلك الصحارى لا يستقيم بدون أدلاء من ذوي الخبرة ، وما أكثر ما تاه الناس عن الطريق حتى مع الأدلاء ، فابتلعتهم الصحراء حتى ماتوا جميعاً جوعاً أو عطشاً . فمن تغشاه الظلمة حتى لا يبصر ، لا بد أن يقف في مكان ، ولا يتحرك إلى أن ينقشع الضباب ، ويتمكن من رؤية الطريق . ثالثاً : إذا كان الروم قد جمعوا مائتي ألف ، أو أكثر بكثير ، فإن ذلك لم يكن ليخفى على رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، الذي كانت عيونه مبثوثة في كل مكان . . وهو يلاحق جميع الاحتمالات ، في مختلف الاتجاهات ، حتى ليكاد يحصي على أعدائه أنفاسهم ، وتبلغه عنهم كل شاردة وواردة . وكان هو نفسه قد غزا دومة الجندل في البلقاء قبل مدة ، وكان يرصد كل المواقع التي يحتمل أن يكون لها ميل لمهاجمته ، فهل يغفل عن بلاد الشام ،