ابن إدريس الحلي
55
السرائر
أعمره ، أو تصدق عليه بصدقة تطوع ، حنث ( 1 ) . قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب " تغمده الله برحمته " أما قوله رحمه الله وحده " فإن الهبة عبارة عن كل عين يملكه إياها متبرعا بغير عوض " فغير واضح ، لأن الوقف كذلك ، ولا يسمى هبة بغير خلاف ، وصدقة التطوع عندنا لا تسمى هبة ، بل بينها وبين الهبة فرق كثير ، لأن صدقة التطوع بعد القبض ، لا يجوز الرجوع فيها ، والهبة يجوز الرجوع فيها ، فلا يحنث صدقة التطوع ، لأنه ما وهب . إذا حلف لا أكلت هذه الحنطة ، أو من هذه الحنطة ، وأشار إلى حنطة بعينها ، ثم طحنها دقيقا وأكلها ، لم يحنث وكذلك إذا حلف لا أكلت هذا الدقيق ، فخبزه ، ثم أكله ، لم يحنث . ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أنه إذا حلف لا وهبت عبدي ، ثم وهبه من رجل ، حنث ، بوجود الإيجاب قبل الموهوب له ، أو لم يقبل ( 2 ) . قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب ما ذهب إليه رحمه الله ، مذهب أبي حنيفة ، وأبي العباس بن شريح ، والدي يقتضيه أصول أصحابنا ، أنه لا يحنث إلا بوجود الإيجاب والقبول ، لأن الهبة عقد عندنا بلا خلاف ، والعقود لا يكون إلا بين اثنين ، وهو مثل البيع سواء ، وقد فرق شيخنا بينهما بغير فرق ، وهو أنه قال لا يقال باع بلفظ قوله بعت ، حتى يحصل القبول ، وكذلك نقول نحن في الهبة ، لأنها باقية على ملكه بلا خلاف ، فإذا وجد القبول ، انتقلت من ملكه ، وكذلك البيع سواء ، فليلحظ ذلك . وقد رجع شيخنا في مبسوطه ( 3 ) ، إلى ما اخترناه وحررناه . قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه : إذا حلف لا آكل شحما ، فأكل شحم الظهر ، لم يحنث ( 4 ) .
--> ( 1 ) الخلاف ، كتاب الأيمان ، مسألة 91 . ( 2 ) الخلاف كتاب الأيمان ، مسألة 103 - 78 . ( 3 ) المبسوط ، ج 6 ، كتاب النذر ، ص 250 . ( 4 ) الخلاف كتاب الأيمان ، مسألة 103 - 78 .