ابن إدريس الحلي

176

السرائر

إلى دليل ( 1 ) . هذا آخر استدلاله ونعم ما استدل به رحمه الله . إذا وهب في مرضه المخوف شيئا وأقبضه ، ثم مات ، فمن أصحابنا من قال تلزم الهبة في جميع الشئ الموهوب ، سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث ، وهو الصحيح من المذهب الذي تقتضيه الأصول ، ومنهم من قال تلزم في الثلث ، وتبطل فيما زاد عليه . إذا كان له في ذمة إنسان مال ، فوهبه له ، كان ذلك إبراء بلفظ الهبة ، وهل من شرط صحة الإبراء قبول المبرء أم لا ؟ قال قوم من شرط صحته قبوله ، فلا يصح حتى يقبل ، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله . وهو الذي نختاره ، ونقول به ، لأن في إبرائه من الحق الذي له عليه منة عليه ، وغضاضة ، ولا يجبر على قبول المنة ، وتحمل الغضاضة فإذا لم نعتبر قبوله ، أجبرناه على ذلك ، كما نقول في هبة العين له " إنها لا تصح إلا إذا قبل " . وقال قوم إن ذلك يصح ، شاء من عليه الحق ، أو أبى لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " ( 2 ) و " أن تصدقوا خير لكم " ( 3 ) فاعتبر مجرد الصدقة ، ولم يعتبر القبول ، وقال تعالى " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا " ( 4 ) فاسقط الدية بمجرد التصدق ، ولم يعتبر القبول ، والتصدق في هذا الموضع الإبراء . قلنا أما التمسك بهذا فضعيف عندنا ، لأنه دليل الخطاب ، ودليل الخطاب عند المحصلين من أصحابنا المتكلمين في أصول الفقه لا يعملون به ، هذا إذا وهبه لمن عليه الحق . فإن وهبه لغيره صح ذلك ، إلا أنه لا يلزم إلا بالقبض . قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه ، صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام ، من شرطها الإيجاب والقبول ، ولا تلزم إلا بالقبض ، وكل من له الرجوع

--> ( 1 ) الخلاف ، كتاب الهبة ، مسألة 17 ، في نقل العبارة تقطيع . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 280 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 280 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية 92 .