ابن إدريس الحلي
165
السرائر
ومتى وقف الإنسان على أحد الأجناس ممن ذكرناهم ، فإن كانوا كثيرين في البلاد ، منتشرين ، كان ذلك مقصورا على من يحضر البلد الذي فيه الوقف ، دون غيره من البلدان . ومتى وقف الإنسان شيئا في وجه من الوجوه ، أو على قوم بأعيانهم ، ولم يشرط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه ، كان متى انقرضوا ولم يبق منهم أحد ، راجعا ميراثا على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الموقوف عليهم ، لأنه مال من أموال الموقوف عليهم ، يورث كما يورث ساير الأملاك والأموال ، ولا يجوز عوده على ورثة الواقف ، ولا على الواقف نفسه بحال من الأحوال ، لأنه بالوقف خرج من ملكه ، وانتقل إلى ملك الموقوف عليه بغير خلاف بيننا ، فعوده إليه بعد ذلك يحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليه من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع منعقد ، وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان ، في مقنعته ( 1 ) . وقال شيخنا أبو جعفر ، في نهايته ، ومتى وقف الإنسان شيئا في وجه من الوجوه ، أو على قوم بأعيانهم ، ولم يشرط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه ، فمتى انقرض أرباب الوقف ، رجع الوقف على ورثة الواقف ( 2 ) . وهذا قول مرغوب عنه ، لأنه لا دليل عليه بحال . وقال رحمه الله في مسائل خلافه ، مسألة إذا وقف على من يصح انقراضه في العادة ، مثل أن يقف على ولده ، وولد ولده ، وسكت على ذلك ، فمن أصحابنا من قال لا يصح الوقف ، ومنهم من قال يصح ، فإذا انقرض الموقوف عليه ، رجع إلى الواقف إن كان حيا ، وإن كان ميتا رجع إلى ورثته ، وبه قال أبو يوسف ، وللشافعي فيه قولان ، أحدهما لا يصح ، والآخر يصح ، فإذا انقرضوا رجع إلى أبواب البر ، ولا يعود إليه ، ولا إلى ورثته ، دليلنا أن عوده إلى البر بعد انقراض الموقوف عليه ، يحتاج إلى دليل ، وليس في الشرع ما يدل عليه ، والأصل بقاء الملك عليه ، أو
--> ( 1 ) المقنعة باب الوقوف والصدقات آخر الباب إلا أن الظاهر المصنف رحمه الله نقل عبارته بمعناها لا بألفاظها ص 655 . ( 2 ) النهاية كتاب الوقوف والصدقات باب الوقوف وأحكامها .