السيد الطباطبائي

43

سنن النبي ( ص ) ( مع ملحقات )

في ما قسم لهم من الحياة ولا يتكلفوا في أمر من الأمور إذ كانوا على الفطرة والفطرة لا تهدي إلا إلى ما جهزها الله بما يلائمها في نيله ، ولا تتكلف الاستواء على ما لم يسهل الله لها الارتقاء على مستواه ، قال تعالى حكاية عن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : " وما أنا من المتكلفين " ( 1 ) وقال تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ( 2 ) وقال تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " ( 3 ) وإذ كان التكلف خروجا عن الفطرة فهو من اتباع الشهوة والأنبياء في مأمن منه . وقال تعالى وهو أيضا من التأديب بأدب جامع : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " ( 4 ) أدبهم تعالى أن يأكلوا من الطيبات ، أي أن يتصرفوا في الطيبات من مواد الحياة ولا يتعدوها إلى الخبائث التي تتنفر منها الفطرة السليمة ، وأن يأتوا من الأعمال بالصالح منها وهو الذي يصلح للإنسان أن يأتي به مما تميل إليه الفطرة بحسب ما جهزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقاءه إلى حين ، أو أن يأتوا بالعمل الذي يصلح أن يقدم إلى حضرة الربوبية ، والمعنيان متقاربان ، فهذا أدب يتعلق بالإنسان الفرد . ثم وصله تعالى بأدب اجتماعي فذكر لهم أن الناس ليسوا إلا أمة واحدة : المرسلون والمرسل إليهم ، وليس لهم إلا رب واحد ، فليجتمعوا على تقواه ، ويقطعوا بذلك دابر الاختلافات والتحزبات ، فإذا التقى الأمران أعني الأدب الفردي والاجتماعي تشكل مجتمع واحد بشري مصون عن الاختلاف يعبد ربا واحدا ، ويجري الآحاد منه على الأدب الإلهي فاتقوا خبائث الأفعال وسيئات الأعمال فقد استووا على أريكة السعادة . وهذا ما جمعته آية أخرى وهي قوله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين

--> ( 1 ) ص : 86 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) الطلاق : 7 . ( 4 ) المؤمنون : 52 .