ابن كثير
84
السيرة النبوية
قال : فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم . وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم ، وكان أصغرهم سنا ، فقال قيس ابن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الأهتم - : يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث . وأزرى به ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم . فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك ، يهجوه : ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب ( 1 ) سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب ( 2 ) وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن محمد بن الزبير الحنظلي ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، وعمرو بن الأهتم ، فقال لعمرو بن الأهتم : " أخبرني عن الزبرقان ، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان قد عرف قيسا . قال : فقال : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : قد قال ما قال وهو يعلم أنى أفضل مما قال . قال فقال عمرو : والله ما علمتك إلا زمر ( 3 ) المروءة ، ضيق العطن ، أحمق الأب ، لئيم الخال . ثم قال : يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا ، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه ، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان سحرا " . وهذا مرسل من هذا الوجه .
--> ( 1 ) الهلباء : يريد الدبر ، والهلب : شعر الذنب ( 2 ) الرهو : المتسع . ( 3 ) زمر المروءة : قليلها .