ابن كثير
62
السيرة النبوية
وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا ، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن ، فسألوه عن الربا والزنا والخمر ، فحرم عليهم ذلك كله . فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال : " اهدموها " . قالوا : هيهات ! لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها . فقال عمر بن الخطاب : ويحك يا بن عبد يا ليل ما أجهلك ! إنما الربة حجر . فقالوا : إنا لم نأتك يا بن الخطاب . ثم قالوا : يا رسول الله تول أنت هدمها ، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا . فقال : " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " . فكاتبوه على ذلك ، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم ، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم : ما وراءكم ؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف ، يحكم ما يريد ، وقد دوخ العرب ، قد حرم الربا والزنا والخمر ، وأمر بهدم الربة . فنفرت ثقيف وقالوا : لا نطيع لهذا أبدا . قال : فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح ، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ، فرجعوا وأنابوا وقالوا : ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه . قالوا : فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه ، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله . قالوا : فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا : أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان . فأسلموا مكانهم .