ابن كثير

333

السيرة النبوية

فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه عليه السلام قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة ، وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحى لان أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف ، لان يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين . كما سيأتي فلما قدم عليه السلام يوم الأحد رابع الشهر ، بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة ، فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل من إحرامه حتما ، فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه وبعضهم متأسف لأجل أنه عليه السلام لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى ، وكانوا يحبون موافقته عليه السلام والتأسي به ، فلما رأى ما عندهم من ذلك قال لهم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة . أي لو أعلم أن هذا يشق عليكم لكنت تركت سوق الهدى حتى أحل كما أحللتم . ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع ، كما ذهب إليه الإمام أحمد ، أخذا من هذا ، فإنه قال : لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا ، ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه . وجوابه : أنه عليه السلام لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدى ، وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالاحلال . ولهذا - والله أعلم - لما تأمل الإمام أحمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدى ، لامره عليه السلام من لم يسق الهدى من أصحابه بالتمتع ، وأن القران أفضل في حق من ساق الهدى ، كما اختار الله