ابن كثير
164
السيرة النبوية
أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها . فقالت : يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة ، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها فأتيت المدينة ، فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها . قال : فجلست ، فدخل منزله أو قال رحله ، فاستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت فسلمت فقال : هل كان بينكم وبين تميم شئ ؟ قلت : نعم ، وكانت الدائرة عليهم ، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك ، وها هي بالباب . فأذن لها فدخلت . فقلت : يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء . فحميت العجوز واستوفزت وقالت : يا رسول الله أين تضطر مضرك . قال : قلت : إن مثلي ما قال الأول : معزى حملت حتفها ! حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما ! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد . قال : وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه . قلت : إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل ، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان ، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال : اللهم إنك تعلم لم أجئ إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه . فمرت به سحابات سود فنودي : منها اختر . فأومأ إلى سحابة منها سوداء . فنودي منها : خذها رمادا رمددا ، لا تبقى من عاد أحدا . قال : فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا بقدر ما يجرى في خاتمي هذا حتى هلكوا .