ابن كثير
99
السيرة النبوية
قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر [ أن ] معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة ، صفقتهم ( 2 ) معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك ، مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الأسد ، فقال : يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم . ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟ ! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم . فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط . قال : ويلك ما تقول ؟ قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل . قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم . قال : فإني أنهاك عن ذلك ، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر . قال : وما قلت ؟ قال : قلت : كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ( 3 ) تردى ( 4 ) بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول
--> ( 1 ) ابن هشام : عيبة نصح لرسول الله . والعيبة : موضع السر . ( 2 ) صفقتهم : حلفهم . ( 3 ) الجرد : عتاق الخيل . والأبابيل : الجماعات . ( 4 ) تردى : تسرع .