ابن كثير
517
السيرة النبوية
وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلى ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يتألفهم بذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال : فلما كان عليه وخاف بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه " لا تختلفا " . فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو : إنما جئت مددا لي ، فقال له أبو عبيدة : لا ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه . وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا ، هينا عليه أمر الدنيا . فقال له عمرو : [ بل ] ( 1 ) أنت مددي . فقال له أبو عبيدة : يا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لي : " لا تختلفا " وإنك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو : فإني أمير عليك وإنما أنت مدد لي . قال : فدونك . فصلى عمرو بن العاص بالناس . * * * وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان ، عن يزيد بن رومان ، أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك ( 2 ) تفرقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين ، ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة ، وتراموا بالنبل ساعة ، ورمى يومئذ عامر بن ربيعة وأصيبت ذراعه ، وحمل المسلمون عليهم فهزموا وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ، ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم ، فكانوا ينحرون ويذبحون ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ، ولم تكن غنائم تقسم .
--> ( 1 ) من ابن هشام . ( 2 ) ا : " بذلك " .