ابن كثير

460

السيرة النبوية

على حقيبة رحله ، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه : إذا أدنيتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء ( 1 ) فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلي ورائي ( 2 ) وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشام مشتهى الثواء ( 3 ) وردك كل ذي نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء ( 4 ) قال : فلما سمعتهن منه بكيت ، فخفقني بالدرة وقال : ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ؟ ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز : يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فأنزل ( 5 ) * * * قال ابن إسحاق : ثم مضى الناس ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها ، فتعبي لهم المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك .

--> ( 1 ) الحساء : سهل من الأرض يستنقع فيه الماء ، أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر . ( 2 ) شأنك أنعم : يريد أنه يريحها ولا يكلفها عناء السفر بعد ذلك . ولا أرجع : مجزوم على الدعاء . ( 3 ) مشتهى الثواء : لا يريد رجوعا . وقد روى : مستنهى الثواء . قال السهيلي : مستنهى الثواء : مستفعل من النهاية والانتهاء ، أي حيث انتهى مثواه . ( 4 ) البعل : ما يشرب بعروقه من الأرض . وأسافلها رواء : كذا في ابن هشام ، وغير أ . وفي أ : أساقيها ورائي . ( 5 ) اليعملات : النوق السريعة . والذبل : التي أوهنها السير .