ابن كثير
448
السيرة النبوية
فلما رأيت ريب نفسه قلت : أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا ، فأعطنيه فأقتله . فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ( 1 ) ضربة ظننت أنه كسره ، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي ، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه . ثم قلت : أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك . قال : فاستحيا وقال : يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، والذي كان يأتي عيسى لتقتله . قال عمرو : فغير الله قلبي عما كنت عليه ، وقلت في نفسي : عرف هذا الحق العرب والعجم ، وتخالف أنت ! ثم قلت : أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال : نعم أشهد به عند الله يا عمرو ، فأطعني واتبعه ، فوالله إنه لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلت : أتبايعني له على الاسلام ؟ قال : نعم . فبسط يده فبايعني على الاسلام ، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا . وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها . ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه . فقالوا : الرأي ما رأيت . قال : ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة ، فعمدت إلى موضع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع ، قال : فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة وخرجت من السفينة ومعي نفقة ، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ، ثم
--> ( 1 ) في الروايات الأخرى : أنفه .