ابن كثير

449

السيرة النبوية

ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا ، وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين ، قال : فنظرت فإذا خالد بن الوليد ، قال : قلت : أين تريد ؟ قال : محمدا ، دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم ( 5 ) ، والله لو أقمت لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها . قلت : وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الاسلام . فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي ، فنزلنا جميعا في المنزل . ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة ، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح : يا رباح يا رباح يا رباح . فتفاءلنا بقوله وسرنا ، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المقادة بعد هذين . فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد ، وولى مدبرا إلى المسجد سريعا ، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا ، فكان كما ظننت . وأنخنا بالحرة ، فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر فانطلقنا حتى اطلعنا عليه ، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه . قال : فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر ، فقال : " إن الاسلام يجب ما كان قبله ، والهجرة تجب ما كان قبلها " . قال : فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا ، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة ، وكان عمر على خالد كالعاتب . قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن حبيب

--> ( 1 ) الطعم : القدرة .