ابن كثير

308

السيرة النبوية

لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية فإنها ستصدقك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها . قالت : فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول : أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : فتقول : والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فأمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله ! قالت : ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي ، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس ، فاتقي الله ، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده . قالت : فوالله إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص ( 1 ) دمعي حتى ما أحس منه شيئا ، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما . قالت : وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به ويصلى به ، ولكني كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي ويخبر خبرا ، وأما قرآنا ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك . قالت : فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما : ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا : والله ما ندري بما نجيبه . قالت : ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام . قالت : فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا ، والله إني لاعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت

--> ( 1 ) قلص : ارتفع .