ابن كثير

306

السيرة النبوية

وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي ، لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا ، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي ، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في شكواي ذلك ، فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك . قالت : حتى وجدت في نفسي فقلت : يا رسول الله ، حين رأيت ما رأيت من جفائه لي : لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني . قال : لا عليك . قالت : فانقلبت إلى أمي ولا علم لي بشئ مما كان ، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ، وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها ونكرهها ، إنما كنا نخرج في فسح المدينة وإنما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن ، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب ، قالت : فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت : تعس مسطح . ومسطح لقب واسمه عوف . قالت : فقلت : بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين ، وقد شهد بدرا . قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت : قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك . قلت : أو قد كان هذا ؟ قالت : نعم . والله لقد كان . قالت : فوالله ما قدرت على أن أقضى حاجتي ، ورجعت ، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي . قالت : وقلت لأمي : يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! قالت : أي بنية خففي ( 1 ) عليك الشأن فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها .

--> ( 1 ) ابن هشام : خفضي .