ابن كثير
291
السيرة النبوية
الجبل فأنا فوقهم ، فقال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح ، ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شئ بأيدينا وجعله وراء ظهره . فقال عيينة : لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ، ليقم إليه نفر منكم . فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل ، فلما أسمعتهم الصوت قلت : أتعرفونني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني . فقال رجل منهم : إن أظن . قال : فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي ، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي ، فولى المشركون مدبرين ، وأنزل من الجبل فأخذ عنان فرسه ، فقلت : يا أخرم ائذن القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قال : يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ! قال : فخليت عنان فرسه ، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا طعنتين ، فعقر الأخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله . فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم . ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدوا وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر وغربت الشمس ، وألحق رجلا فأرميه فقلت : خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع . قال : فقال : يا ثكل أم أكوع بكرة . فقلت : نعم أي عدو نفسه . وكان الذي رميته بكرة ( 1 ) ،
--> ( 1 ) صحيح مسلم : " قال : يا ثكلته أمه أكوعه بكرة . قال . قلت : يا عدو نفسه أكوعك بكرة " .