ابن كثير

266

السيرة النبوية

أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا ، فصاح وقام أهله . ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه ، فانخلعت رجلي فعصبتها ، ثم أتيت أصحابي أحجل . فقلت : انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية . فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال : أنعى أبا رافع . قال : فقمت أمشي ما بي قلبة ( 1 ) فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشرته . تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة . ثم قال : قال الزهري : قال أبي بن كعب : فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : أفلحت الوجوه . قالوا : أفلح وجهك يا رسول الله . قال : أفتكتموه ؟ قالوا : نعم . قال : ناولني السيف . فسله فقال : أجل هذا طعامه في ذباب السيف . قلت : يحتمل أن عبد الله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة انفكت قدمه وانكسرت ساقه ووثئت ( 2 ) رجله ، فلما عصبها استكن ما به لما هو فيه من الامر الباهر ، ولما أراد المشي أعين على ذلك لما هو فيه من الجهاد النافع ، ثم لما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقرت نفسه ثاوره الوجع في رجله ، فلما بسط رجله ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ما كان بها من بأس في الماضي ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل ، جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت . والله أعلم . هذا ، وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل سياق محمد بن إسحاق ، وسمى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق وإبراهيم وأبو عبيد .

--> ( 1 ) القلبة : العلة والداء . ( 2 ) الأصل : وثبت . وهو تحريف .