ابن كثير

230

السيرة النبوية

قال ابن إسحاق : ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنى ، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب . وقد كان حيى بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه ، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد : يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا . ثلاثا فخذوا بما شئتم منها . قالوا : وما هن ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ( 1 ) ، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء . قالوا : أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ؟ ! قال : فإن أبيتم على هذه ، فالليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة . قالوا : أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ . فقال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما .

--> ( 1 ) ابن هشام : مصلتين السيوف .