ابن كثير

218

السيرة النبوية

قال : فقال حذيفة : يا بن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة ، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة . فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد ، فلما لم يقم أحد دعاني ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ، فقال : يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا . قال : فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : من أنت ؟ قال فلان بن فلان ، ثم قال : يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فإني مرتحل . ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم . ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى : لا تحدث شيئا حتى تأتيني . لقتلته بسهم . قال حذيفة : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحل ، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح على طرف المرط ، ثم ركع وسجد وإني لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر . وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم . وهذا منقطع من هذا الوجه . وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه ، من حديث الأعمش عن إبراهيم