ابن كثير

201

السيرة النبوية

قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق ، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي : يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن ملا من رجال قومه ، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة . قلت : هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى : " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " . قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا ، وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل . فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ومن لا أتهم ، عن الزهري ، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري ، وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهم الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة . فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك ، واستشارهما فيه . فقالا : يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟