ابن كثير

202

السيرة النبوية

فقال : بل شئ أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا ؟ مالنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت وذاك . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا علينا . * * * قال : فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين ، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ، أحد بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، وضرار بن الخطاب ابن مرداس أحد بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا : تهيأوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم . وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد ،