ابن كثير
72
السيرة النبوية
فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه ، وإظهار الله المعجزات على يديه ، دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى ، وتكذيبا لهم فيما يرمونه من البغى والعدوان والمكر والخداع ، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول ، والله غالب على أمره . * * * فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة . وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس ، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه . قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ( 1 ) فرقا من أن يبلغني شئ من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه . قال فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة . قال : فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال : فسمعت كلاما حسنا ، قال : فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ! والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته .
--> ( 1 ) الكرسف : القطن .