ابن كثير

411

السيرة النبوية

فقال : أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه ، ولكن هو أبو بكر ، إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا : من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوى إليه أحد من المشركين ؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوى إليه أحد إلا أهوى إليه . فهذا أشجع الناس . قال : ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش ، فهذا يحاده ، وهذا يتلتله ، ويقولون : أنت جعلت الآلهة إلها واحدا ، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا ، وهو يقول : ويلكم ! أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله . ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال : أنشدكم الله : أمؤمن آل فرعون خير أم هو ؟ فسكت القوم ، فقال على : فوالله لساعة من أبى بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل يكتم إيمانه ، وهذا رجل أعلن إيمانه . ثم قال البزار : لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه . فهذه خصوصية للصديق ، حيث هو مع الرسول في العريش ، كما كان معه في الغار رضي الله عنه وأرضاه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ، ويقول فيما يدعو به : " اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض " وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول : " اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم نصرك " . ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه ، وجعل أبو بكر رضي الله عنه