ابن كثير
412
السيرة النبوية
يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال : يا رسول الله بعض مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك . هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت ، أن الصديق إنما قال : بعض مناشدتك ربك ، من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال : بعض هذا يا رسول الله . أي : لم تتعب نفسك هذا التعب ، والله قد وعدك بالنصر . وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحكى السهيلي عن شيخة أبى بكر بن العربي بأنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف ، والصديق في مقام الرجاء ، وكان مقام الخوف في هذا الوقت ، يعنى أكمل . قال : لان لله أن يفعل ما يشاء ، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها ، فخوفه ذلك عبادة . قلت : وأما قول بعض الصوفية : إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار . فهو قول مردود على قائله ، إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه . والله أعلم . * * * هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان ، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن ، واستغاث بربه سيد الأنبياء ، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء ، سامع الدعاء وكاشف البلاء . فكان أول من قتل من المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي . قال ابن إسحاق : وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه . فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما