ابن كثير
381
السيرة النبوية
وعبد الله بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباس ، كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال : " هذه عير قريش فيها أموالهم ، فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها " . فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعض ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا ، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس ( 1 ) من لقي من الركبان تخوفا على أمر ( 2 ) الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك . فحذر عند ذلك ، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة . قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير . قالا : وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم على ما أحدثك . قال لها : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث . فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه : فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث . ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى ، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة .
--> ( 1 ) ابن هشام : يتحسس . ( 2 ) ح : على أموال الناس .