ابن كثير
382
السيرة النبوية
قال العباس : والله إن هذه لرؤيا ، وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد . ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة ، وكان له صديقا ، فذكرها له واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لابنه عتبة ، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش . قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت ، وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا . فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال أبو جهل : يا بني عبد المطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة . قال : قلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث . فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقا ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس : فوالله ما كان منى إليه كبير شئ ، إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا . قال : ثم تفرقنا ، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت ؟ قال : قلت : قد والله فعلت ، ما كان منى إليه من كبير ، وأيم الله لا تعرضن له ، فإذا عاد لأكفيكنه . قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب ، أرى أنى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه . قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه ، حديد اللسان حديد النظر ، قال :