ابن كثير

158

السيرة النبوية

من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال : " الامر لله يضعه حيث يشاء " . قال : فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك . فأبوا عليه . فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ، ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا . قال : فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال : يا بنى عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم ! * * * وقال موسى بن عقبة عن الزهري : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم كل شريف قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : " لا أكره أحدا منكم على شئ ، من رضى منكم بالذي أدعوه إليه فذلك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربى ، وحتى يقضى الله لي ولمن صحبني بما شاء . فلم يقبله أحد منهم ، وما يأتي أحدا من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل أعلم به ، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه !