ابن كثير

106

السيرة النبوية

الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم ، وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السماوات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما . لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، ومراد من تابعها على ذلك ، لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام . والله أعلم . تنبيه : ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي ، أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ، ليكون ذلك من باب الارهاص والتوطئة والتثبت والايناس . والله أعلم . ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة ؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة ، والمعراج في المنام . وقد حكى المهلب بن أبي صفرة ( 1 ) في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء [ وقع ] مرتين ، مرة بروحه مناما ، ومرة ببدنه وروحه يقظة . وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبى بكر بن العربي الفقيه . قال السهيلي : وهذا القول يجمع الأحاديث ، فإن في حديث شريك عن أنس : وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، وقال في آخره : " ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر " وهذا منام . ودل غيره على اليقظة . ومنهم من يدعى تعدد الاسراء في اليقظة أيضا ، حتى قال بعضهم : إنها أربع إسراءات . وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة . وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله أن يوفق بين اختلاف ما وقع

--> ( 1 ) الذي في السهيلي : " ورأيت المهلب في شرح البخاري " وليس هو المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير خرسان