ابن كثير

102

السيرة النبوية

ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس . الظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة ، كما هي عادة الوافدين ، لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا إليه . ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل عندما يتقدم ذاك للسلام عليه : هذا فلان فسلم عليه . فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية . ومما يدل على ذلك أنه قال : " فلما حانت الصلاة : أممتهم " ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر ، فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل ، فيما يرويه عن ربه عز وجل . فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل ، حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم . ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة ، فأصبح بها وهو في غاية الثبات السكينة والوقار . * * * وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها أو بعضها غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل . ولكنه صلى الله وسلم أصبح واجما ، أي ساكنا ، يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه . فتلطف بإخبارهم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة . وذلك أن أبا جهل لعنه الله ، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وهو جالس واجم . فقال له : هل من خبر ؟ فقال : نعم . فقال : وما هو ؟