ابن كثير

500

السيرة النبوية

فقال : بل أنتم فقولوا وأنا أسمع فقالوا : نقول كاهن . فقال : ما هو بكاهن : رأيت الكهان ، فما هو بزمزمة الكهان . فقالوا : نقول مجنون . فقال : ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . فقالوا : نقول شاعر . فقال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر . قالوا : فنقول هو ساحر . قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ( 1 ) ، وإن فرعه لجني ( 2 ) ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لان تقولوا : هذا ساحر ، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه ، وبين المرء وأبيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حين ( 3 ) قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره . وأنزل الله في الوليد " ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ( 4 ) " الآيات ، وفى أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين : " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ( 5 ) " . قلت : وفى ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم : " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه ، بل هو شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ( 6 ) " فحاروا ماذا يقولون

--> ( 1 ) خ ط : لمغدق ، وما أثبته عن ابن هشام والعذق : النخلة ( 2 ) ابن هشام : لجناة وهو ما يجنى من الثمر ( 3 ) الأصل : حتى ، وما أثبته عن ابن هشام . ( 4 ) سورة المدثر 11 - 13 ( 5 ) سورة الحجر 92 ، 93 ( 6 ) سورة الأنبياء 5