ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

28

الامامة والسياسة

عمرو وهو يومئذ سيد الأزد ، فقال : يا أبا قيس ؟ قد جئتك بعبيد الله مستجيرا . قال : ولم جئتني بالعبد ؟ قال : نشدتك الله ، فقد اختارك على غيرك ، فلما رآهم عبيد الله يتراضون ويتناشدون ، قال : قد بلغني الجهد والجوع ، فقال مسعود : يا غلام : ائت البقال ، فأتنا من خبزه وتمره . قال : فجاء به الغلام فوضع . قال : فأكل ، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه . ثم قال : أدخل فدخل ، ومنارات الناس يومئذ من القصب ، وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا . قال : فكأن عبيد الله خاف . فقال : يا غلام ، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب ، فاشعل أعلاه نارا ، ففعل ذلك في جوف الليل ، فأقبلت الأزد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملؤوها . فقالوا : ما لسيدنا ؟ قال : شئ حدث في الدار . قال : فعرف عبيد الله عزته ورفعته ، وما هو عليه . قال : هذا والله العز والشرف ، فأقام عنده أياما ، وعنده امرأتان امرأة من الأزد ، وامرأة من عبد قيس ، فكانت العبدية تقول : أخرجوا العبد وكانت الأزدية تقول : استجار بك على بغضه إياك ، وجفوته لك ، وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو ، فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج ، وهم في أربعة آلاف ، فقال مسعود : ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد الله . ثم قال : وكيف آمن عليه وهو في منزلي ، ولكني أبلغه مأمنه ، ثم أعتذر إليهم . قال : وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة . قال : فأقبل مسعود يوما على برذون له ، وحوله عدة من الأزد عليهم السيوف ، وقد عصب رأسه بسير أحمر ، قال الهيثم : فقلت لابن عباس : لم عصب رأسه بسير أحمر ؟ قال : قد سألت عن ذلك قبلك . فقال شيخ من الأزد ، كان ضخم الهامة ، وكانت له ضفيرتان ، فعصب لذلك بالسير . قال ابن عباس : فذكرت ذلك لعمرو بن هرم ، وكان معنا بواسط . فقال : حدثك من لا يعرف هذا شئ كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب ، عصب السير ليعلموا أنه معتذر . قال : فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد ، ومعه أصحابه رجالة ، بين يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول والقبائل في المسجد بأجمعها ، فدخل المسجد بدابته ، فبصرت به الخوارج ، فظنوا أنه عبيد الله ، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف ، وجال الناس جولة ، فضربوه بأسيافهم حتى مات . قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج ، وجال الناس ونهضوا من مجالسهم ، وبلغ ذلك الأزد ، فأقبلوا على كل صعب وذلول ، وأقبل عباد بن الحصين لينظر إلى عبيد الله فإذا هو بمسعود . فقال : مسعود ورب الكعبة ، إنا لله