ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

29

الامامة والسياسة

وإنا إليه راجعون ، أبا قيس قد وفيت ، ما كان أغنى أهل مصرك بما صنعت من ذلك ، فجعتهم بنفسك . ثم ألقي عليه كساءه ، ثم أقبلت الأزد ، فكان بينهما وبين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا ، وتراضوا على بيعة ابن الزبير . قال الهيثم : قال ابن عباس : حدثني عوكل اليشكري ( 1 ) قال : إنا مع عبيد الله بن زياد في ليلة مظلمة ، فإذا نحن بنار من بعد . فقال عبيد الله : يا عوكل كيف الطريق ؟ قال : اجعل النار على حاجبك ، فقال : بل على حاجبك . قال عوكل : فوالله إنا لنسير بالسمارة ( 2 ) ، إذ قال عبيد الله : قد كرهت البعير ، فابغوا لي ذا حافر . قال ( 3 ) : فإذا نحن بأعرابي من كلب معه حمار أقمر ضخم . فقلت : تبيعه بكم ؟ فقال : بأربع مئة درهم ، لا أنقصكم درهما ، فأشار إلينا عبيد الله أن خذوه . قال : فجعلنا ننقده الدراهم . قال : لست أدري ما هذه ؟ ولكن بيني وبينكم هذا المولى ، يعني عبيد الله بن زياد ، وكان عبيد الله أحمر أقمر ، شبيها بالموالي . قال : فأخذناه منه فقال عبد الله : ارحلوا لي عليه ، فرحلنا له عليه ، فلما قدم ليركب ، قال الأعرابي : أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا ، وما أظن صاحبكم إلا والي العراق ، فاستقفاه عبيد الله بالعصا ، فضربه بها ، فوقع ، ثم شدوه وثاقا . قال : وجعلوا يتجنبون المياه . قال عوكل : ثم إن عبيد الله بينا هو على راحلته ، إذ هجعت عينه . فقلت له : أراك نائما . فقال : ما كنت بنائم . فقلت له : ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال : وبأي شئ كنت أحدث نفسي ؟ قال : قلت : ليتني لم أبن البيضاء ( 4 ) ، ولم أستعمل الدهاقين ( 5 ) ، وليتني لم أتخذ المحاربة ، قال : ما خطر لي هذا على بال : أما قولك : ليتني لم أبن البيضاء ، فما كان علي منها إثم ، بناها اليزيد من ماله ( 6 ) ، وأما استعمال الدهاقين ، فقد استعملهم أبي

--> ( 1 ) في الطبري : يساف بن شريح اليشكري ، وفي ابن الأثير : مسافر بن شريح اليشكري . ( 2 ) السمارة : كذا بالأصل تحريف . والصواب : السماوة بادية بين الكوفة والشام ( معجم البلدان ) . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير : فجعلوا له قطيفة على حمار ، فركبه . زيد في الطبري : وإن رجليه لتكادان تخدان في الأرض . ( 4 ) البيضاء ( القصر الأبيض ) دار كانت لعبيد الله بن زياد بالبصرة . ( 5 ) الدهاقين جمع دهقان وهو رئيس التجار . ( 6 ) في الطبري وابن الأثير : اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل إلي يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها . فإن بقيت فلأهلي ، وإن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه .