السيد علي الحسيني الميلاني

173

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم ، وهذه فرقة ما نرى بقي منها أحد ، وهم المنسوبون إلى نجدة بن الحنفي القائم باليمامة . قال أبو محمّد : وقول هذه الفرقة ساقط ، يكفي من الردّ عليه وإبطاله إجماع كلّ من ذكرنا على بطلانه ، والقرآن والسنّة قد وردا بإيجاب الإمام . من ذلك قول اللّه تعالى : ( أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمرِ مِنْكُمْ ) مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأمة ، وإيجاب الإمامة . وأيضاً ، فإن اللّه عز وجل يقول : ( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها ) فوجب اليقين بأن اللّه تعالى لا يكلّف الناس ما ليس في بنيتهم واحتمالهم ، وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه اللّه تعالى من الأحكام عليهم في الأموال ، والجنايات ، والدماء ، والنكاح ، والطلاق ، وسائر الأحكام كلّها ، ومنع الظالم ، وإنصاف المظلوم ، وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم ، وشواغلهم ، واختلاف آرائهم ، وامتناع من ثحرى في كلّ ذلك ممتنع غير ممكن ، إذ قد يريد واحد أو جماعة أن يحكم عليهم إنسان ، ويريد آخر أو جماعة أخرى أن لا يحكم عليهم ، إمّا لأنها ترى في اجتهادها خلاف ما رأى هؤلاء ، وإما خلافاً مجرّداً عليهم ، وهذا الذي لا بدّ منه ضرورة وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها ، فإنه لا يقام هناك حكم حق ولا حدّ ، حتى قد ذهب الدين في أكثرها ، فلا تصح إقامة الدين إلا بالاسناد إلى واحد أو إلى أكثر من واحد ، فإذن لا بدّ من أحد هذين الوجهين ، فإن الاثنين فصاعداً بينهما أو بينهم ما ذكرنا فلا يتمّ أمر البتة . فلم يبق وجه تتم به الأمور إلا الإسناد إلى واحد ، فاضل ، عالم ، حسن السياسة ، قوي على الإنفاذ ، إلا أنه وإن كان بخلاف ما ذكرنا ، فالظلم والإهمال معه أقل منه مع الاثنين فصاعداً ، وإذ ذلك كذلك ففرض لازم لكلّ الناس أن يكفوا من الظلم ما أمكنهم ، إن قدروا على كفّ كلّه لزمهم ذلك ، وإلا فكفّ ما قدروا على كفّه منه ولو قضية واحدة لا يجوز غير ذلك .